ليس المسخّن طبقًا عاديًا ولا هو طبق أسبوعي يصلح لأن يكون حاضرًا على الموائد كالمقلوبة إنما هو من جملة الأطباق المُشتهاة التي تُعد موسمية أو عند اشتهائه تمامًا كـ المفتول وهو نموذجٌ لهوية المطبخ الفلسطيني العريق وتشكّله عبر الزمن.
فما أن يُنهي الفلاحون في عموم فلسطين موسم قطاف الزيتون حتى يُسارعوا للاحتفال بإعداد طبق المسخن ابتهاجًا بخير السنة وتقديرًا لجهدهم الذي بذلوه خاصة أنه طبق أساسه زيت الزيتون الذي يكون وفيرًا في تلك الفترة. وفي ذلك تغنّوا:
وحَبْ الزيتون من الوعر لمّيتي .. عبّيتي الجرة واسندتي البيتي
مسعد ياللي عبّى جراره زيتي .. يعمل مسخن بشهر كانونا
يتركّز صنع طبق المسخن في المناطق التي تشتهر بزراعة الزيتون وخصوصًا في مناطق وسط فلسطين وشمالها. ويُعتقد أنه بدأ من هذه المنطقة أول الأمر ثم انتشر في عموم فلسطين والعالم. كما أنه يُعتبر في بعض مناطق الضفة الغربية مُنافسًا أساسيًا لطبق المنسف من حيث كونه الطبق الأساسي لإكرام الضيف والقيام بواجبه وكذا طبق ولائم الأعراس وخصوصًا في أشهر تشرين ثاني والكوانين.
ما أحلاها لما التموا الحبايب .. والمسخن حاضر للأهل والقرايب
يا ربي اتجمّع شـملنا الغايب .. وتخلي الفرح بين كروم الزيتونا
والمسخن كان أيضًا حاضرًا في بعض الاحتفالات وولائم المناسبات الاجتماعية كطعام أهل الميت (الخروجية).
(الخروجية).


ومن اللافت أن بعض المناطق تُطلق تسميات أخرى على هذا الطبق وإن كانت أقل شهرة منها اسم: (المُحمّر) نسبة للدجاج المحمر الذي يعلو الأرغفة ويُزيّن وجه الطبق الشعبي. كما يتم إعداد طبق ساحلي في بعض المناطق شبيه بالمسخن من حيث المكونات فيصنع من الخبز الرقيق (الرقاق) ويضيفون له البصل والسماق والسمك بدل الدجاج ويسمى: (سمك برقاق).
في البدء كان الخبز
في اللغة نقول: مُسخّن لما يُسَخّن على النار فقولنا: مَاءٌ مُسَخَّن أي تَمَّ تَسْخِينُه ومنه قيل عن الخبز البائت إذا سُخّن في الفرن أو الطابون (خُبزٌ مسخّن).

وفكرة تسخين الخبز في الطابون أو التنور كانت شائعة حتى أنهم كانوا يبللونه بالماء ليصبح طريًا للأكل أو يتم تحميصه ليصبح شهيًا وآخرون كانوا يلجأون لدهن الخبز البائت بالزيت والزعتر ووضعه في الطابون حتى قيل في المثل الشعبي: (إن كان بدك خُبزك يِقِل حمِّصْ وِبِلْ) بمعنى أن تحميص الخبز وبلّه بالماء أو الزيت يجعله شهيًا ومطلوبًا للأكل بكثرة.
وبحسب الشيف الفلسطيني سفيان مصطفى فإن المسخّن في أصله “رغيف الخبز البائت يُرطّب بالزيت ويُسخّن في الطابون ومع الأيام استبدل الرغيف البائت بالخبز الساخن الطازج ثم أضيف له البصل والسماق ليُجَمّل طعمه ثم ألحق بالدجاج فأصبح وجبة كاملة وآخر ما أضيف له الصنوبر أو اللوز”. فخبز الطابون إذن هو أساس هذا الطبق مع أنه يُمكن استبداله بخبز الشراك المخبوز على الصاج.

وإذا كنا نتحدث عن البدايات الأولى لطبق المسخّن الفلسطيني فمن المهم أن نعي بأن هذا الطبق لم يتشكّل فجأة وإنما تكوّن نتيجة تراكم زمني وتفاعل طويل مع مكوناته. ولذا لا يمكن أن يكون هناك وقت محدد لتحديد بداية طهيه بشكله الحالي. فيقول مصطفى الذي يؤرّخ للمطبخ العربي والفلسطيني تحديدًا: “صحيح أن المسخّن لم يُذكر في كتب التاريخ إلا أن حوائجه من رغيف الطابون وزيت الزيتون والسُمّاق تقول بأنه بعمر فلسطين”.
نكهة الأرض وطعم الفِلاحة
المسخن طبقٌ يتجاوز فكرة الحاجة للأكل وامتلاء البطن ذلك أنه يمثّل هوية الأرض ومواسمها وعلاقة الفلسطيني بما في سلته الغذائية من مكونات فهو يُعبر عن تكامل خيرات البيت الفلاحي فخبز الطابون كما الزيت لا غنى عنهما كما جاء في المثل الشعبي (القمح والزيت عماد البيت) والبصل والسماق واللوز والدجاج كان لا يخلو منهما بيت فلسطيني.










