تقارير

الصبر والتين موسم الصيف بفلسطين يتزين بهما


عندما يُذكر التين فلا بدّ من ذكر الصبر لأنّ الصبر والتين ينضجان في نفس الفترة من العام لذلك اقترنا مع بعض ومن هنا جاءت تسمية الموسم بـ (موسم الصبر والتين) وفي بعض الأحيان يسمّى موسم العنب والتين أيضاً. كما للتين ذكريات فإن للصبر الكثير من الذكريات في فلسطين فبالإضافة لكونه فاكهة شهيّة كثيرة الفوائد فهو من الأشجار واسعة الإنتشار لما فيه من فوائد كثيرة حتى أنّه قيلت عنه قصص كثيرة حتى أصبح جزءاً من النسيج الثقافي الفلسطيني. والصبر يسمّى في مصر وفي بعض البلاد العربية بالتين الشوكي.
الصبر نبات تابع لعائلة الصبّاريات التي تكون أوراقها مدبّبة لحفظ الماء لأنّها أصلاّ نباتات صحراويّة وللصبر سيقان خضراء تسمّى (ألواح) وأوراق على شكل أشواك بيضاء اللون تقريباً. ألواح الصبر بيضاوية الشكل تولد من بعضها وتنموا وتكبر حتى يصل طولها من 30 الى 40 سنتمتراً عندما يكتمل نوّها ومن ثمّ تولد منها ألواح جديدة وهكذا يكبر النبات وينمو عادة ما يولد من لوح الصبر من واحد إلى خمسة ألواح وهكذا يتشعّب نبات الصبر في كل الإتّجاهات. الأشواك حادّة جدّاً تنموا على وجهي اللوح على شكل مجموعات من إثنين إلى خمسة أشواك في المجموعة يبلغ طول الأشواك من 2 الى 5 سنتمترات. للصبر فوائد كثيرة منها الصحيّة ومنها غير ذلك:
أوّلاً: لأكل الثمار لما فيها من فائدة غذائية عالية.
ثانياً: لإطعام الجِمال والماعز والدواب والطيور ثمارها أو قشور الثمار أو الألواح.
ثالثاً: تزىع كسياج للأراضي الزراعية.
رابعاً: كانت تستخدم لصناعة الدوادح والألعاب الأخرى.
خامساً: لأكل الألواح مقليّة أو غير مقليّة والألواح الطريّة مفيدة جدّاً لمرضى السكّري.
تنموا ثمار الصبر على حواف الألواح والثمرة الواحدة تسمّى(كوز) وجمعها (أكواز) يبدأ ظهور الثمرة على شكل كرة خضراء سرعان ما تتفتّح من رأسها وتظهر منها زهرة فيقال أنّ الصبر (زهّرْ) وزهرة الصبر جميلة جدّاً ألوانها خليط من الأحمر والأصفر والبرتقالي تتداخل الألوان بشكل رائع تبقى الزهرة فترة الى أن يكبر الكوز ثم تذبل وتسقط تستمر الأكواز في النمو فيصل قطرها من 3 إلى 5 سنتمترات وطولها من 5 إلى 7 سنتمترات تنضج أكواز الصبر وتكثر عليها الأشواك الدقيقة التي لا ترى بالعين المجرّدة في بعض الأحيان وعند نضوج الأكواز يتم قطعها ويستعمل لذلك ثلاثة طرق.
باليدين: يستخدم لذلك الكفوف السميكة لحماية اليدين من الأشواك كما يمكن استخدام قطعة من الكرتون أو الورق السميك لحماية اليدين من الأشواك. وهذه الطريقة تستخدم للأكواز القريبة والممكن الوصول اليها.
بالقطّاعة: وهي عبارة عن عصى طويلة في رأسها قطعة من المعدن على شكل زاوية مدبّبة الرأس يتم غرز الرأس المدبّب عند نهاية الكوز العليا وليّه أي تحريكه في مختلف الإتّجاهات حتى ينقطع ثم يتم وضعه في المكان أو الحفرة المعدّة للمعملة &ndash أي إزالة الأشواك – والتي تتجمّع فيها كل الأكواز في النهاية.
بالسنّارة: وهذه عبارة عن عصى طويلة مثبّت في نهايتها ومتعامدة عليها ماسورة مفتوحة من الطرفين مصنوعة من التنك الخفيف يتم إدخال الكوز في الماسورة وليّه إلى أن ينقطع من اللوح ثم يوضع في مكان التجميع.
بعد تجميع كميّة من الأكواز تبدأ عملية الإعداد للأكل وتمر بالمراحل التالية:-
مرحلة المعملة: ويستخدم لذلك مكنسة أو ظُمّة من نبات النتش أو نبات السّنام أو نبات المكانس البريّة والمعملة عبارة عن تحريك المكنسة أو ظمّة النباتات على الأكواز لتتساقط عنها الأشواك حيث يصعب مسك الكوز والأشواك عليه لأنها مؤلمة جدّاً إذا ما انغرزت في اليد.
مرحلة النقل: توضع عادة أكواز الصبر في دلو أو تنكة زيت مستعملة ومفتوحة من الأعلى ومعدّل التلقيطة الواحدة من نصف تنكة إلى تنكة حسب عدد أفراد العائلة.
مرحلة التقشير: وهي عبارة عن إزالة القشرة عن اللّب الذي يؤكل ويتم التقشير إمّا يدويّاً حيث يدخل الإبهام في نهاية الكوز السفليّة ويحّرك بشكل لولبي فيزيل القشرة ويخرج الجزء الذي يؤكل مستخدمي هذه الطريقة على درجة عالية من المهارة فلا يستطيع كل إنسان التقشير بهذه الطريقة. أما الطريقة الشائعة فهي باستخدام السكين يتم قطع الجزء العلوي من الكوز والجزء السفلي منه وشق القشرة المتبقّية عموديّاً ثم إستخدام الأصابع لفتحها وإخراج الثمرة من داخلها يتفنّن الفلاح في التقشير فمنهم من يقطع طرفي الكوز تماماً ومنهم من يبقى جزء من القشرة متّصل مع الأصل حتى تبقى كل قشرة الكوز في النهاية متصلة مع بعضها فيسهل التعامل معها إمّا بالتخلّص منها أو إطعامها للدواب.
مرحلة التقديم: كان الناس يتجمّعون حول من يقشّر الصبر وعادة يكون رب أو ربّة الأسرة ويقوم بالتقشير وتقديم أكواز الصبر حال تقشيرها للأكّيلة فيبدأ من اليمين فيعطي الشخص الأوّل ثم يقشّر للثاني وهكذا وكلّما أنهى الشخص كوزه يمد يده منتظراً دوره. ويستمر التقشير طالما إستمر الأكل من يكتفى لا يأخذ ويمرّر الدور لمن بعده. الجميل في هذه الطريقة أنّه لا أحد يمس الكوز إلاّ من يأكله لأن من يقشّر الصبر يبقي الثمرة ملتصقة بالقشرة حتى يمسكها من يريد أكلها وينتزعها من القشرة ويأكلها كما أنّ هذه أفضل طريقة لتناول الصبر طازجاً خاصّة وهو بارد (على الندى). وهناك طرق أخرى إستحدثت مثل تقشير الصبر ووضعه في الثلاجة وتقديمه في أطباق على الطاولة إلى جانب أنواع الفاكهة المختلفة.
للصبر نكهة وطعم رائع لا يشبهه شيء له بذور متراصّة داكنة اللون يتم بلعها لأنّها صلبة جدّاً ولا يمكن كسرها وطحنها بالأسنان ومن فوائد الصبر الصحيّة أنّ تلك البذور تمر من المعدة وألأمعاء فتنشّطها وتنظّفها تماماً. ما يقارب من خمس وزن ثمرة الصبر مكوّن من السكّريات التي تمد الجسم بالطاقة كما أنّ الصبر غني بالبروتينات وفيتامين أ وفيتامين ج والأملاح المعدنية مثل الفسفور والكالسيوم والكثير من الأحماض المفيدة واللازمة للجسم.
تفيد ثمار الصبر في تخفيف الوزن لأنّ أكل شيء منها يشعر الشخص بالإمتلاء والشّبع وهي منشّطة للجهاز الهضمي ومرطّبة للجسم. وللثمار فوائد كثيرة جدّاً لا حصر لها.
أما الفائدة الثانية للصبر فهي لإطعام الحيوانات مثل الماعز التي تأكل الألواح الطريّة والجمال التي تأكل الألواح الناضجة ذات المسامات الممتلئة بالأشواك ومن حكم الله سبحانه وتعالى أنّ الجمل يأكل تلك الأشواك الصلبة جداّ بدون أن تؤذيه ويقال أن لعابه يذيبها. كان أصحاب الجمال يقطعون ألواح الصبر بكميّات كبيرة ويضعونها أمام الجِمال التي كانت تتلذّذ بتناولها ومضغها بما فيها من سوائل هلاميّة.
والفائدة الثالثة للصبر فهي إستخدامه كسياج للأراضي الزراعية فهو كثير الأشواك ويصعب إجتيازه من قِبَل الناس والحيوانات فكثيراً ما تجد الفلاّح يزرع الصبر حول الأرض لحمايتها نظراً لتشعّب نبات الصبر فإنّه يستولي على مساحة ليست بالقليلة من الأرض الزراعيّة لذلك يعمد الفلاح إلى زراعته على الرميان وبجانب السناسل للحفاظ على الأرض للزراعة. وزراعة الصبر سهلة جدّاً فلا تحتاج إلاّ أن تأخذ لوح الصبر الناضج وتغرس قاعدته في الأرض وفي الربيع تخرج من الأسفل الجذور ومن الأعلى الألواح الجديدة التي سرعان ما تكبر وتنموا وتثمر فنظراً لجمال الصبر ولطعمه اللذيذ ولفوائده الجمّة وسهولة زراعته وعدم حاجته للعناية مطلقاً فأنصح أبناء فلسطين عامّة وأبناء قريتي سرطه ان يزرعوا الصبر في أي مكان خالٍ ليأكلوا منه وتأكل الأجيال القادمة وتأكل الحيوانات والطيور ….
والفائدة الرابعة: أنّ ألواح الصبر كانت تستخدم في عمل ألعاب كان يطلق عليها (دودح) والدودح لوح صبر يتم تنظيفه من الشوك وقطعه من الأطراف ليصبح مستطيل الشكل ثم قطع أربعة دوائر من لوح آخر حيث تستخدم كعجلات للوح الأوّل والذي أصبح شكله كالمستطيل. تثبّت العجلات كل اثنتين بعود لوز أو زيتون جاف يتم إدخاله في اللوح المستطيل أفقيّاً من المنطقة الأماميّة وآخر من المنطقة الخلفيّة وتثبيت عجلتين على جانبي العود الأول وعجلتين على جانبي العود الثاني وبذلك تتشكّل عربة ذات أربعة عجلات مكوّتة كلّها من ألواح الصبر تربط العجلة بخيط وتجر فتدور العجلات وتسير العربة. وهذه كانت إحدى الألعاب التي كنّا نستمتع بصناعتها وقيادتها….كما تستخدم الألواح بعد تنظيفها من الصبر وتشكيلها في بناء البيوت فيتفنّن الصغار في عمل شبابيك وأبواب في الألواح وتجميعها لبناء بيوت من عدّة طبقات…
للصبر أنواع كثيرة والمعروف في فلسطين وفي قرية سرطه خاصّة الصبر البلدي المتعارف عليه والموجود في معظم الأمكنة وأشهر صبر في سرطه كان صبر البوز على حافّة وادي عبد الله الشماليّة أي غرب مدرسة الإناث الحاليّة وهناك صبر التل الممتد من بيت أبو وهيب وبيت أبو أسامة حتى منطقة دار طه اليوسف ودار عطية (أبو مصطفى) إلى أن يلتقي مع صبر أبو مصدّق رحمهم الله جميعاً.
وهناك الصبر البري وهذا صغير الألواح صغير الثمار كثير الأشواك حتّى أنّه يصعب التعامل معه لكثرة المسامات التي تنبت فيها الأشواك الحادّة هذا النوع ينمو في المناطق البعيدة والصحراويّة وغالباً ما تأكله الجمال.
أمّا الصبر الخضاري فلا توجد عليه أشواك سواء على ألأواح أو على الأكواز لذلك يسهل التعامل معه وتقطيع ثماره إلاّ أن طعمه ليس كطعم الصبر البلدي الأصلي.
هناك نوع من الصبر في أمريكا الجنوبيّة كالمكسيك وينتشر في ولاية كاليفورنيا وتكساس وهذا نفس الصبر الموجود عندنا في سرطه إلاّ أنّ ثماره بنفسجّة اللون غامقة ومنه ما تكون ثماره حمراء قانية حتى قبل النضوج النهائي وهو لذيذ أيضاً.
كما ذكرت سابقاُ فالصبر يسمّى في مصر وفي كثير من المراجع والكتب (التين الشوكي) وبالإنجليزية يسمى (كاكتوس) وأشهر قرى منطقتنا في زراعة الصبر هي (الزاوية) حيث أنّهم يصنعون منه المربّى (التطلي). ومن الصبر المشهور في فلسطين صبرات قرية حارس الموجودة على (القوربة) بعد بيت المرحوم الحج نمر والتي كثيراً من سبّبت حوادث السير والمشاكل ولم يوافق أصحابها على قطعها بالرغم من كل النداءات.
هناك قرى فلسطينيّة تزرع الصبر من أجل بيع ثماره فتنتج منه كميّات كبيرة ويتم تسويقه في المدينة أو بيعه في صناديق.
كثيراً ما تبيض الدجاجات بين نباتات الصبر وكذلك الطيور التي تضع أعشاشها على الألواح المائلة والأفقيّة وهي خير مكان لحمايتها من الإنسان إلاّ أن كثيراً من فراخها وبيضها تأكله الأفاعي التي تكثر وتترعرع بين نباتات الصبر خاصّة الأفاعي المسمّاة (أبو قرع).
كما أنّ الناس يأكلون الصبر فإن الحيوانات كالماعز والجمال تأكل الألواح والحمير والبغال والدواجن من الطيور تأكل قشر الصبر ما يتبقّى فيها من الثمر والطيور تأكل ثمار الصبر والكوز الذي تنقره الطيور يسمّى (شنقور) كما يحصل في التين.
هناك محاذير للتعامل مع الصبر وأكله فالأشواك التي على الألواح حادّة ومؤلمة لذلك يجب الحذر عند التعامل معها أثناء تلقيط الصبر والأشواك الدقيقة خطيرة جدّاً ومؤلمة إذا أصابت الجلد فيصعب رؤيتها وإزالتها وأخطر تلك ألأشواك ما يدخل إلى العين لأنّها دقيقة وخفيفة وتطير مع الهواء فلا ينصح بالإقتراب من الصبر في الأيام ذات الرياح القويّة. أما إذا نمى كوز الصبر بجانب شوكة من أشواك الألواح فإن الشوكة تنغرز في الكوز وتنمو في داخله كلّما كبر ونضج عند قطعه تقطع الشوكة في داخله وعند تقشيره وأكله تبقى الشوكة في داخل الكوز فيفاجأ الشخص بوجود تلك الشوكة الكبيرة المؤلمة في فمه فتنغزر في اللثة أو اللسان وتحتاج لعناية فائقة لإخراجها وهذه تسمّى (سلاّل) لذلك يجب التأنّي وقضم قطع صغيرة من الكوز أثناء الأكل حتى يكتشف الشخص مثل تلك الأشواك بين الأسنان وقبل دخولها الى الفم.
بقي الآن أن نتطرّق إلى أسوأ ما يمكن أن يحصل لمن يأكل كميّة من الصبر على الريق أي قبل أكل طعام الإفطار فهذا يؤدي إلى ما يسمّى (التعصيم) وهو الإمساك الشديد وعدم تمكّن الشخص من قضاء حاجته (ألإخراج) لأنّ بذور الصبر لا تهضم وبعد أن تقوم الأمعاء بامتصاص السوائل وهضم المواد الطريّة (لحمة الكوز) تبقى البذور التي تتجمّع في المستقيم وتوقف عمليّة الإخراج لذلك يجب عدم تناول الصبر على الريق وعدم تناول كميّات كبيرة منه وأفضل طريقة لتناول الصبر في الصباح تناوله مع الخبز وهو لذيذ الطعم جدّاً إذا ما تمّ أكله مع الخبز فيخشم الشخص كوز الصبر ومع كل خشمة يأكل قطعة خبز (إغماس).
قيل الكثير من الأشعار في الصبر مثل:-
(يا بائع الصبر لا تبخل على الشاري — فدرهم الصبر يسوى ألف دينارِ) والمقصود في الصبر الثانية ليس النبات وإنّما الصبر على المصائب.
كما أنّ في سرطه الكثير من القصص التاريخية التي تدور حول الصبر خاصّة صبر البوز مثل قتل الأفاعي وأبو قرع والدجاج الذي يبيض ويفقس في الصبر وقصص ونوادر السلاّل والتعصيم وغيرها….
بقي القول أنّ ألواح الصبر الطريّة مفيدة جدّاً للسكري فأكلها يقلل السكّر في الدم وهي تستخدم كثيراً في أمريكا الجنوبية خاصّة في المكسيك كعلاج للمصابين بمرض السّكري وحتى غير المصابين بالمرض يؤمنون بفائدة الألواح الطريّة فيتم أكلها كوجبة طعام بعد تقطيعها قطعاً صغيرة وقليها في الزيت مع بعض البصل أو مع البيض أو بعد وضع الطحين عليها …. وهي لذيذة ومفيده … أنصح بتجربتها…..