غزة - بارعة شراب
عندما يتقدم السن بالمرأة يصبح جل تفكيرها الركون إلى الراحة والسكون بعد لهاث شباب ضيعته الأيام بين تربية الأبناء والعناية بهم إلى أن أصبحوا قادرين على تحمل مسؤولياتهم بأنفسهم, عند ذلك؛ تتنفس الصعداء وتعد نفسها بالحصول على قسط من النوم بعد ليالي السهر, فيحملها الأبناء كما حملتهم وهم صغار.
لكنها..الأم الفلسطينية..الجدة والخالة والعمة كدأبها لا يعرف الكلل إلى قلبها سبيلا, فما أن تلقي عبئا حتى تحمل عبئا آخر, أو هو الحرص على طلب العلم لا سيما العلوم الشرعية وإن كان العمر في الستين.."نساء من أجل فلسطين" توجهت إلى هؤلاء النسوة وعرفت السر في سعيهن لتلقي الدروس الدينية, في سياق التقرير التالي:
الحجة "أم محمود 65 عاماً" من الحريصات على متابعة الدروس الدينية بالمسجد المجاور لبيتها, وحفظ كتاب الله, حرصا منها على اكتساب الأجر, وفي حلقات الدرس أبدت الكثير من المعرفة بالأمور الفقهية والتي لا نجدها عند المتعلمين, وبالرغم من عمرها البالغ 65 سنة فهي حافظة لسورة البقرة وآل عمران والنساء, وأشارت إلى أنها ذهبت في البداية لتزجية الوقت, وما لبثت حتى ازداد اهتمامها وحرصها على التفقه بأمور الدين, ومعرفة العديد من الأمور التي كانت تجهلها, منوهة أن عمرها لا يشكل عائقا كبيرا أمامها فالمسجد قريب والمعلمين يعملون على تبسيط المعلومات لهم.
أما الحجة أم فوزي "60 عاما" فهي لا تداوم على الذهاب إلى المسجد نظرا لظروفها الصحية, لكنها حريصة على تلقي أي معلومة سواء من الكتب أو القنوات الفضائية الدينية, وتنصح جاراتها بالحرص على التفقه بأمور الدين, قائلة" الكثير من المعلومات حول حقوق الزوج والزوجة أخبرتها لزوجات أبنائي" مضيفة بأنها تشعر بالسعادة والسلام الروحي عندما تنقل علمها بالنصيحة أو أثناء الأحاديث اليومية كي يستفيد منها الآخرون.
وعلى الرغم من المشقة التي تكابدها الحجة أم رامي"68 عاما" فهي تداوم على حضور الدروس الدينية بالمسجد الذي يقع في الشارع الثاني من بيتهم, وقالت" أذهب أنا وحفيداتي لحضور الدروس الدينية وتسميع ما حفظنا من القرآن الكريم" وتابعت قولها" أشعر بأني أطير إلى المسجد فالشوق لمعرفة المزيد من الأمور عن ديني يدفعني إلى المسجد دفعا" وأوضحت بأنها أتمت حفظ سورة البقرة وتعزم على إكمال مشوارها في حفظ سور القرآن الكريم.
من ناحيتها ذكرت فاطمة شبير مسئولة مسجد الشهداء بمدينة خانيونس أن عدداً من النساء الطاعنات في السن من المنطقة والمناطق المجاورة , يتواجدن لحضور الدروس الدينية إلى جانب ربات البيوت والطالبات في المراحل الإعدادية والثانوية, موضحة بأن النساء الكبار يأتين مع أحفادهن أو زوجات أبنائهن, وأشارت إلى أن هذه الشريحة من النساء تكون معينا في كثير من الأحيان للداعية عندما يلقي الدرس على النساء, فهن لتجربتهن يقمن بسرد العديد من القصص التي حصلت معهن, فالقصة تصل المعلومة بشكل أسرع إلى العقول والقلوب، كما أوضحت شبير بأنها تجد عند النساء الكبيرات بالسن حباً للاستطلاع واستعداداً للمناقشة لا تجده عند المتعلمين.
ولفتت إلى أن المسجد يعطي الحاضرات دروس متنوعة تتطرق إلى كافة مجالات الحياة كي يستفدن منها في حياتهن خارج المسجد.
العلم واجب
وعن حكم تعليم المرأة خاصة العلوم التي تدرس في المساجد, أوضح الدكتور ماهر السوسي, نائب عميد كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية أن التشريع الإسلامي أوجب على المرأة تعلم أحكام دينها, لا سيما أحكام العبادات , فهي من العلوم المفروضة عليها, وبناء على ذلك إذا تمكنت من تعلم هذه العلوم في بيتها أو الجامعة, فعليها أن تفعل ذلك, ويكون ذهابها إلى الجامعة جائزا, فإن ذهبت أو لم تذهب فالأمر على السواء.
وتابع :" أما إن كانت لا تستطيع أن تتعلم العلوم الواجبة عليها, فيكون ذهابها لتعلم هذه العلوم واجب عليها, حيث القاعدة الشرعية تنص على أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وفيما يتعلق بالمدرسات, قال" إن كن أهلا للتعليم وكانت الواحدة منهن قائمة بكل واجباتها تجاه بيتها وأسرتها ولم يكن غيرها قادر على تعليم النساء بالمسجد فالتعليم في حقها واجب" وأضاف:"وأما إن توفرت فيها الشروط السابقة وكان معها من تقوم بتعليم النساء فإن هذا العمل في حقها جائز لوجود نساء يمكن أن يحللن محلها"
ووقف السوسي عند الآية القائلة: "وقرن في بيوتكن" موضحاً باأن ما يقال في حق تعليم المرأة لا يتعارض مع الآية الكريمة, لأن المرأة تذهب إلى المسجد لحاجتها, والآية تمنع من خروج المرأة الذي لا داعي له والذي يتنافى مع الشرع.
وفي رده أكد على وجوب استئذان المرأة من زوجها, حتى لو كان خروجها من المنزل لطلب العلوم الشرعية, فإن لم يأذن لها بالخروج فعليها الطاعة.
أما عن النساء الطاعنات في السن فخروجهن أسهل حيث لا يخشى عليهن من الفتنة, مؤكدا على أنه لا فرق بين الكبيرة والصغيرة, فما يقع على الصغيرات يقع على الكبيرات بالسن, وعليهن جميعا الاستئذان قبل الخروج من المنزل.
الدافع النفسي
من ناحيته أوضح جميل الطهراوي رئيس قسم الإرشاد النفسي بالجامعة الإسلامية أن ثلاثة أسباب تشكل الدافع النفسي لذهاب المرأة إلى المسجد وهي: الرغبة في طلب العلم مشيراً إلى أن طلب العلم لا يقف عند سقف عمري محدد, أما السبب الثاني فيكمن في رغبة المرأة الخروج من المنزل وقتل الملل الذي تراكم مع مرور الأيام, مبيناً أن المرأة عندما تخرج من المنزل فهي تقابل أناساً في طريقها إلى المسجد وترى الشمس والهواء الذي يضيف جديداً على وتيرة حياتها الهادئة, لا سيما وأنها أنهت دورها بتربيتها أبنائها ولم يعد لديها ما تفعل, فتخرج من المنزل, وقال" وهذا ما يوصلنا إلى السبب الثالث وهو تكوين علاقات جديدة والتعرف على النساء بالمسجد: " مشيرا إلى أن المرأة عندما تذهب إلى المسجد تتعرف على النساء الأخريات اللاتي قدمن لنفس الهدف, فيتعرفن على بعضهن البعض لا سيما مع مرور الوقت وتعودهن على رؤية بعض بصورة مستمرة.
ونوه إلى أن المرأة مع تقدمها بالسن تضعف الذاكرة لديها ويقل استيعابها مقارنة بأيام شبابها, لكن الرغبة القوية لديها المصبوغة بالعزيمة والإرادة يسهل عليها مهمة الحفظ وتلقي علوم جديدة