ألم الحصار على جسد العلامة علي الشريف أكبر من ألم مرضه بالسرطان
طباعة إرسال لصديق
بلسان بناته
ألم الحصار على جسد العلامة علي الشريف أكبر من ألم مرضه بالسرطان
تاريخ النشر : 20/02/2010 - 01:01 ص
ريما عبدالقادر

 

رغم ألمه ومرضه الذي انحل جسده المحاصر من العلاج في قطاع غزة إلا أن الدكتور علي الشريف عالم من علماء فلسطين، والمحاضر في الجامعة الإسلامية كان يرسم ابتسامة الرضا والأمل، محاولا أن يخفي أوجاع جسده التي زادت عن العامين بعد إصابته في مرض سرطان الكبد. كان قلبه ينبض بحب ربه، ولسانه بشكره، وقلمه في الكتابة حتى في أشد أوقات ألمه. كان صلب وبالوقت ذاته حنون يمتلك قلب يتسع محبة الجميع.."نساء من أجل فلسطين" شاركت عائلته في مدينة غزة جزء من ألمها بفقدان الزوج والأب والجد عبر سطورها التالية:

طيب القلب

بمجرد أن يتم ذكر اسم علي الشريف رحمه الله تعالى حتى تجد كل من حولك يذكره بالخير وحبه للمسلمين وتقديم المساعدة لهم خاصة أنه يمتلك قلب يسامح من أساء إليه.

وحينما يدخل المرء منزله فأول ما يقابله صورة كبيرة له وبجوارها صورة لنجله الشهيد تستقبل كل من يقدم على بيته وترتسم عليها ملامح وجهه المبتسمة كأنه يقول :"أهلا وسهلا بالضيوف" فقد عرف عنه بحبه لكرم الضيف لمن يعرفه أو لا يعرفه.

قالت زوجته فوزية "أم علاء" وعيناها تحمل الكثير من الدمع خاصة أنه قد مضى على زواجهما أكثر من 30 عام،:"زوجي رحمه الله كان عطوف وحنون في تعامله معي يمتلك أخلاق كريمة ويشجعني دائما على فعل الخير".

كانت تحاول أن تخفي دموعها إلا أن الدمع كان أسبق من الكلمات خاصة حينما كانت تذكر اسمه، أو تتكلم عن خلقه وتصرفاته سواء معها، أو مع بناته، أو مع أي أحد فكان قلبه يتسع الجميع.

وأضافت حينما عادت بالذاكرة إلى بداية زواجهما حيث عاشا في ليبيا ما يقارب 4 أعوام كان خلالها يعمل مدرس:"رغم مشاكل العمل والتعب الذي كان يجده إلا أنه بمجرد أن يرن جرس المنزل كان يبتسم ويخفي ما بداخله من تعب حيث يقول لي :"لا أريد أن أشغلك وأتعبك".

وأشارت إلى أنه كان يحب قدر المستطاع أن يقتدي بسنة رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فكان هادئ الطبع كريم الخلق. وذكرت بأنه دائما كان يوصيها بتقوى الله تعالى والإخلاص بالعمل بكل شيء.

وبينت بأنه كان يتحرى الحلال في مأكله ومأكل أهل بيته فكان إذا ذهب لزيارة أحد ويشك في ماله ولو بشيء بسيط فكان يذهب صائم، وإذا أحضر أحد هدية، وعمله فيه شيء من الشبهات فإنه يرفض أن تبقى في بيته وكان دائما يفضل أن يأكل من ماله الخاص.

وتابعت "أم علاء" حديثها:"كان يشجعني على العلم حيث إنه شجعني على الدراسة بالجامعة بعدما انتقلنا للعيش في السعودية، وكان مدرسي لإحدى المواد فكان قبل يوم الامتحان يغادر المنزل حتى لا أسأله عن شيء بالامتحان وكان يشدد في تصليح ورقة الامتحان الخاصة لي".

وذكرت أن من مواقفه الصلبة حينما كان بالسعودية أن إدارة الجامعة التي كان يعمل بها أرادت خصم شهر كامل من الموظفين للتبرع بها لأفغانستان فاعترض أن يتم ذلك بشكل إجباري ولابد أن يتم الاتفاق مع الموظف. وبينت أنه كان في كل شيء بحياته يأخذ بحكم الشرع وبناء عليه يكون العمل.

ويعد الشريف أحد علماء الدين وأحد الوجوه البارزة في حركة حماس، وهو خطيب مفوه ورجل من رجال الإصلاح في مدينة غزة، ويشهد له الجميع بذلك.

الحصار والمصالحة

ورغم صعوبة المرض الذي ألم جسده إلا أنه كان دائما يقول حسب ما أوردته زوجته:" أنا بخير ..أنا في عافية" حيث دائما يحاول أن يخفي ألمه رغم أن حاله كان واضحا خاصة بعد أن نحل جسده بسبب إصابته بمرض السرطان في الكبد. وقالت زوجته:"لم يخبر أحد بالبيت عن مرضه فقد علمت من خلال مكالمة هاتفية".

وعن تعليقات الدكتور الشريف عن الحصار أردفت قائلة:"لقد كان الحصار يؤلمه أكثر من المرض ذاته فكان دائم الدعاء على الظالمين..وكان يردد هذا حرام شرعا". وتابعت حديثها:" كان يقول نحن الآن مثل أصحاب الأخدود إلا أننا نقتل فوق الأرض لأننا أمنا بالله تعالى وسرنا في طريق الجهاد والمقاومة".

أما عن المصالحة فكان يعلق عليها:"إذا اجتمعوا على طاعة الله عز وجل فنعم المصالحة أما إذا كان بالأمر تنازل فلا مصالحة" حسب ما ذكرته "أم علاء".

ولفتت إلى أن زوجها لا يخشى إلا الله تعالى، فحينما يتولى وزير منصبه فكان يذهب إليه ويقول له:"هذه أمانة إما لك أو عليك وإن شاء الله تعالى تكون لك

والدكتور الشريف رحمه الله هو والد الشهيد القسامي علاء الشريف الذي استشهد عام 2004م عندما قصفت طائرات الاحتلال منزل عائلة الجعبري بحي الشجاعية واستشهد وقتها عدد من أفراد العائلة الأخيرة .

وأضافت:" كان دائما يحث علاء على حفظ القرآن الكريم فحينما كان صغير يقول له إذا بدك تلعب لابد أن تحفظ صفحة من القرآن الكريم فكان علاء سريع الحفظ يحفظها بسرعة مما جعله يزيد صفحات الحفظ معه".

الشريف بلسان بناته

كان الدكتور الشريف محبا لبناته ودائم التشجيع لهن بأن يطوروا من أنفسهن وينظروا إلى الأعلى في كل شيء في علوم الدين والدنيا حيث ذكرت ابنته فاطمة الزهراء وذاكرتها تحتفظ بأدق التفاصيل عن والدها، دائما يحثنا على العلم والاجتهاد والحرص على طاعة الله فكان يقول لهن:" عليكن مواصلة العلم وأن لا تكتفين في البكالوريوس فقط أريد أن تحصلن على الماجستير وما بعده من دراسات عليا".

وبينت أنه كان يتابع الصغيرة والكبيرة من حيث التحصيل الدراسي وكان يشعر بالسعادة حينما يجد أن بناته متفوقات. وأضافت :"رغم مرضه إلا أنه كان حنون على الصغير والكبير فكان زوجي يحمل طفلتي ويقول لأبي من هذه ؟ فكان يجيب أميرة بنت أميرة واسمها مريم، فكان الكلام الجميل يزين كلماته ويرفض أي كلمة تحمل الأذى حتى وإن كانت صغيرة فكان يقول:" لسان المسلم طيب".

وتابعت بعد صمت في حيرة من أي نقطة تتحدث بها عن والدها :"لقد تعلمت الإعراب وأنا صغيرة حيث كان والدي حينما نجلس على الفطور يقول جملة ويطلب منا إعرابها هذا الأمر جعلني مجتهدة في مادة اللغة العربية".

ومن المواقف العالقة في ذهنها ذكرت أنها حينما تخرجت من الجامعة قد حصلت على وظيفة بطالة في الأنروا فذهب معها والدها وسأل عن طبيعة الوظيفة فوجد أنها تتعلق بعملية القروض وأنه يتم فيها الربا فنصح الموظف بترك هذا الأمر وبين له عقوبة الربا.

واستكملت حديثها :" في ذلك الوقت امسك بيدي وقال لي :" من ترك شيئا لله عوضه الله تعالى خيرا منه" وبالفعل بعدها بشهر حصلت على وظيفة ثابتة في مدرسة".

ولفتت إلى أنه رغم ألم جسد والدها إلى أنه كان مواصل للعلم في الكتابة، وأجمل من ذلك أن مسامعه كانت لا تغفل عن الاستماع للقرآن الكريم وتصحيح ما يسمعه حيث إنه في إحدى المرات كانت شقيقتي تتلو على مسامعه آيات من القرآن الكريم وأخطأت في التلاوة فكان بلوح لها بيده فكانت في بداية الأمر تظنه يريد شيء لكن بعد ذلك عرفت أنها أخطأت التلاوة.

وأوضحت أنه رغم مرضه كان يحب أن يسأل من يتلو القرآن الكريم.

أما ابنته فوزية كانت تحمل الكثير من الكلمات لكنها كانت تعجز عن القول عن والدها من خلال كلمات خاصة أنها أول ما قالت عنه :" إنه الأب والابن والأخ وكل شيء في حياتي يصعب القول عنه بكلمات".

وبينت أنها حينما كانت تذهب للمستشفى من أجل الولادة فكان مثل الأم في حنانها دائم الاتصال بها وبمجرد أن تلد حتى يكون بجانبها ليطمئن عليها ويبكي لألم أحد بناته أو زوجته. وقالت:" كان حنون على الصغير والكبير دائما يسامح ولا يحمل في قلبه غل لأحد".

جاره المسيحي

ولم تكن أخلاقه الكريمة فقط للمسلمين إنما لكل من حوله والبعيدين عنه حيث إنه كان له جار مسيحي كان يعامله بأخلاق كريمه حيث ذكرت ابنته فاطمة الزهراء أن جارهم كبير في السن ووحيد فكان الأطفال يضايقونه فكان يقول لهم:" سوف أنادي أبو علاء وبمجرد سماع اسمه كان الأطفال لا يؤذونه".

وبينت أنه في يوم من مرضه سمع والدها صوت جارهم يقول "سوف أنادي "أبو علاء" فأرد والدها أن يلبي النداء إلا أنه وقع من مرضه، فكان يتحدث مع الأطفال بأن لا يزعجوا جيرانهم.

وأشارت إلى أنه إذا طلب منه أحد شيء من المال فكان يقدمه لهم ولا ينتظر أن يتم إعادته فكان يفعل ذلك من أجل الله تعالى.

هاهي سطور حياة العالم وأحد قيادات الإخوان المسلمين  قد رحل عن محبيه في جسده بتاريخ 13/ 2 من العام الحالي لكن أعماله وعلمه وأخلاقه وكلماته لازالت تحوم بين من عرفه والتقى به، أو حتى من عرف ولم يلتقي به.

أعلى الصفحة