في مرحلة جديدة من مراحل المعاناة التي فرضها الحصار الصهيوني على سكان قطاع غزة المحاصر، وفي شكل جديد من أشكال التغلب على أزمة البطالة وعدم توفر فرص العمل لآلاف العائلات الغزية بعد فقد مصدر رزقهم في الداخل الفلسطيني بسبب الحصار المفروض على القطاع الصامد؛ تجد أطفالاً ونساءً ورجالاً وشيوخًا اضطروا للعمل في جمع الحصى من باطن الأرض لتأمين قوت يومهم، بعد أن ضاقت بهم السبل في ظل انتشار البطالة والفقر الشديد.
لم يمنعهم البرد القارس ولا الغبار الذي يفرزه هذا العمل من مواصلة الحصول على أكبر كمية من الحصى (الحصمة) وبيعها لتجار مواد البناء، من خلال حفر عدة أمتار بمنطقة المحررات غرب مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.
وللحصول على هذا الحصى اللازم لعملية البناء المتوقفة منذ سنوات في قطاع غزة والتي فرضتها ظروف الحرب من جديد من أجل إعمار ما يمكن إعماره من مبانٍ متضررة؛ تبدأ هذه العملية فجر كل يوم من أيام شتاء غزة البارد؛ حيث تقوم نساء وأطفال هذه العائلات المحتاجة بجمع الحصى، وذلك بنبش الأرض الطينية بمعاول صغيرة أو ما تيسَّر لهم من أدوات للحفر، ثم يضعون التراب المخلوط بكميات قليلة من الحصى في منخل وهزّها؛ بحيث يبقى شيء بسيط جدًّا من الحصى في المنخل بعد كل مرة، ومن ثم يتم وضعها في المكان المعدِّ لتجميعها فيه لكي يبيعوها في آخر المطاف بثمن يمكن أن يكون بسيطًا جدًّا، ولكنه يسدُّ بعض حاجة هذه البيوت التي فقدت أي مصدر دخل لها بعد انقطاع فرص العمل أمامهم وفي ظل غلاء الأسعار الفاحش والأزمات المتكررة التي يمر بها القطاع المحاصر.
فالزوج والزوجة والأبناء يتحلقون ويوزِّعون أعباء العمل؛ حيث يقوم الشباب بالحفر لاستخراج الحصى، بينما تعمل النساء على غربلته من الرمل، وكذلك الأطفال، أما الزوج فيوكل بمهمة بيعه لتجَّار الباطون الذين يتوافدون على المكان لشراء ما يمكن شراؤه من الحصى المجموع.
مضطرون للعمل
لم يمنع كبر السن الحاجة أم محمود (54 عامًا) وهي ربة أسرة مكونة من عشرة أفراد أصيب زوجها بحادث منذ سنوات طويلة ولا يستطيع العمل، وكان عليها طوال السنوات الماضية توفير بعض من متطلبات الحياة لأطفالها، ووجدت في هذا العمل ضالتها بعد انعدام فرص العمل أمام امرأة في عمرها.
تحدثنا الحاجة أم محمود عن رحلتها اليومية ما بين منزلها الواقع في مخيم خان يونس جنوب قطاع غزة ومنطقة المحررات، وهي المنطقة التي كانت تعدُّ مغتصباتٍ للاحتلال الصهيوني حين كان يجثم على صدور أبناء القطاع ويستحوذ على كل خيراتهم، فكانت هذه الأراضي مصدر رزق لكثير من المهن المتنوعة لأبناء القطاع المحاصر والذين يعانون من شظف العيش وقلة فرص العمل.
هذه الرحلة التي بدأت منذ شهور بسيطة وتحديدًا منذ بداية شتاء هذا العام؛ حيث تحضر أم محمود ما يلزمها من غذاء وشراب، وتصطحب أطفالها ليعينوها على هذا العمل الشاق، تقول: "أستغلُّ في هذه الأيام وجود أبنائي معي في فترة العطلة الصيفية ليعينوني في الحفر الذي أعتبره أصعب مرحلة من مراحل استخراج الحصمة، ولكن في فترة المدارس يكون معي ابني الأكبر محمود فقط، والذي انقطع عن الدراسة ليساعدني في إعالة إخوته الصغار، فنضطر للحفر معًا، هذه الأيام نحصل على كميات أكبر بقليل بسبب وجود أبنائي معي؛ حيث نحفر مساحةً أوسع تتعدى المترين، وغالبًا ما نُخرج كميةً بمعدل عربتين في اليوم نبيعها بـ30 شيقلاً (9 $) تقريبًا للتجار الذين يوجدون في المكان ويقيِّمون الحصى حسب حجمه وجودته.
وعن مدى كفاية هذا المبلغ لعائلة مكونة من عشرة أفراد، تجيب أم محمد: "نريد أن نعيش يا بني، هذا هو قدرنا، ووضعنا أفضل من وضع غيرنا ما دمنا بصحتنا وقادرين على العمل".
أما محمود (20 عامًا) والذي خرج منذ سنوات طويلة من المدرسة رغم تفوقه بها، وذلك بعد إصابة والده وقعوده عن العمل، فيطلق تنهيدةً طويلةً حين نسأله عن مدى رضاه عن هذا العمل، قائلاً: "الحمد لله على كل حال، كم حلمت أن أبقى بالمدرسة وأواصل دراستي ككل الطلاب الذين أراهم كل يوم صباحًا يتوجهون إلى المدرسة، بينما أحمل أنا عدتي وأطوف على أصحاب العمل علَّ أحدهم يحتاج أجيرًا في هذا اليوم، وغالبًا لم أكن أجد من يختارني للعمل معه، إلى أن سمعت عن هذه المهنة الجديدة، والتي أرسلها الله لنا كمورد رزق جيد في ظل هذه الظروف الصعبة.. صحيح أن العمل شاقٌّ جدًّا؛ حيث يبدأ من ساعات الصباح الباكر وفي ظل البرد الشديد والمطر الذي يجعل التربة باردة جدًّا، إلا أنني أحاول قدر الإمكان مساعدة والدتي في هذا العمل، ولا أتركها تحفر التربة وحدها، فهي متعبة من متابعة شئوننا في البيت".
وعن خططه للمستقبل يبتسم محمود بمرارة ليجيب: "لا يوجد خطط؛ فنحن بالكاد نخرج قوت يومنا ومستلزمات المدارس لإخوتي الصغار، فلا بناء ولا بيت ولا زواج يلوح في الأفق بالنسبة لشاب يعيش يومه (ورزقه على قده)" على حدِّ تعبير محمود.
أمراض صدرية بسبب الغبار
كان الغبار ينتشر في المكان الذي لا يتجاوز كيلو مترين من أرض كانت يومًا ما محتلةً؛ حيث ينتشر في هذا المكان المحدود المئات من عائلات جنوب قطاع غزة، الذين يعملون بكل ما أوتوا من قوة لإنهاء الكمية المطلوبة منهم يوميًّا، سواء أكانوا أطفالاً أم نساءً أم شيوخًا، فالكل يحفر ويتسابق لجمع أكبر كمية من الحصى حتى يحصل على مبلغ يكفيه تعب هذا اليوم، ولكن ما يثير القلق هو استنشاق هؤلاء الأطفال وكبار السن كميات كبيرة من الأتربة والغبار، ربما تسبب لهم يومًا ما أمراضًا في الصدر وهذا ما ألمحت إليه (أم إسماعيل)؛ حيث وضعت طفلها الصغير بجانبها وهي تقوم بعملية التنخيل، بينما تتصاعد الأتربة والغبار في كل مكان حولهما، تقول: "أكثر ما يؤلمني في هذا العمل هو اضطراري لاصطحاب أطفالي معي، فلا يوجد مكان لأضعهم فيه وأنا أتغيب عن المنزل مدة 12 ساعة يوميًّا، فلمن أتركهم؟ وتضيف: "بدأت أشعر بآلام في الصدر منذ عدة أيام سببها الغبار والبرد الشديد، وكذلك طفلي إسماعيل ألاحظ عليه التعب، فهو يبكي طوال النهار، ولكن الحمد لله على كل حال هذا قدرنا، ولن ننتظر في البيت لنموت من الجوع، فلا أحد في العالم كله يشعر بحاجتنا ومعاناتنا"!.
حراسة الحصى
يوميًّا يقوم أصحاب مصانع الباطون في غزة بشراء ما يحتاجون إليه من حصى؛ لمعاودة تكسيره واستعماله في عملية البناء البسيطة التي توفرها هذه المصانع في ظل انعدام دخول مواد البناء لقطاع غزة المحاصر، والذي يحتاج إلى إعادة إعمار عاجل بعد الحرب الأخيرة.
مصطفى شاب يبلغ من العمر (23 عامًا) مهمته شراء الحصى من الذين يجمعونه وتجميعه على شكل كومة يقوم بحراستها طوال اليوم والليلة حتى تأتي شاحنات المصنع لنقلها، عن هذه المهمة يحدثنا مصطفى: "أمكث في هذا المكان يوميًّا، نصبت خيمةً لأقيم فيها في ظل ظروف البرد والمطر؛ حيث أقوم بحراسة ما أشتريه لصاحب العمل من حصى كل مساء، وأحرسه فترة الليل حتى يأتي اليوم التالي ويأخذه سائق الشاحنة"، وعن راتبه من هذا العمل يقول مصطفى أتقاضى 30 شيقلاً يوميًّا بمعدل (60 $ أسبوعيًّا) على قيامي بهذا العمل الذي يجبرني على البقاء هنا ليل نهار، فلا أستطيع المغادرة لرؤية أهلي إلا كل أسبوعين مرة؛ حيث أعمل لأساعد أبي، وأحاول توفير مبلغ من المال لزواجي الذي لا أرى له مستقبلاً في ظل هذا المبلغ الزهيد الذي أتقاضاه لقاء عملي ليل نهار".
ورغم قتامة المشهد فإن هؤلاء العمال يواصلون العمل والابتسامة تعلو شفاههم؛ فهم يرون فيه فرصةً للعيش بكرامة ويقول: "لا للاستسلام لما يريده العدو الصهيوني منا، ولن نركع ولن نستسلم مهما حلكت الظروف".