لا شك أن بث الأذان على التلفاز من الأمور المحمودة فهو استخدام جيد لهذه الوسيلة الاعلامية المتطورة لإسماع نداء الله لكل المشاهدين خمس مرات في اليوم و تذكيرهم بالفريضة المرتبطة به التي هي عماد الدين و عهد المسلمين لربهم، و لكن المستنكر هو ما يبثه التلفاز قبل و بعد الآذان مما يقوض أركان الاسلام و الإيمان من أفلام و مسلسلات تتنافى في مضمونها مع المعاني التي يدعو اليها الآذان كمقدمة للصلاة التي من المفروض أن تستقيم بها حياة المسلم على الصراط المستقيم، و اللا فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر كان كمن لا صلاة له و لم يزدد من الله الا بعدا.
و ما تقوم به بعض القنوات التلفزيونية هو مسخ و نزع لقدسية و عظمة الدين و علمنة للشعائر، فالآذان و ما يدعو إليه فيها فاصل مؤقت لا فرق بينه و بين الدعايات ينتهي بمجرد آخر كلمة فيه ليستأنف المشاهد ما كان قبله من أغنية أو قُبلة أو مفسدة قد تقعده متابعتها عما دعا الآذان إليه من الاسراع الى الصلاة و الفلاح، و تنسيه أن خير الأمور الصلاة على وقتها.
إن العبادات و على رأسها الصلاة لم تفرض ليؤديها المسلمون كراهة و تخلصا من الفرض، و لكن أفضلها ما كان طواعية و محبة و شوقا و انتظارا. إن المقصود من الآذان أن يضع المسلمين في أجواء العبادة و يفتح قلوبهم لذكر الله و ينزعهم من مشاغل الدنيا تمهيدا للصلاة، و هذا ما يؤكده قوله تعالى في سورة الجمعه" يا أيها الذين آمنوا إذا نُودي للصلاة من يوم الجمعه فاسعوا الى ذكر الله و ذروا البيع"
و حسن الاستماع هو أول مراتب حسن الأداء و التطبيق لذلك قال المؤمنون لربهم "سمعنا و أطعنا"، و لقد حرص الرسول صلى الله عليه و سلم على وضع الصحابة في هذه الحالة النفسية المطمئنة لاستقبال الصلاة فكان يقول لمؤذنه بلال رضي الله عنه "أرحنا بها يا بلال" و الراحة راحتان: راحة للقلب و أخرى للجسد، و لقد ألهم الله سبحانه و تعالى رسوله و صحابته كلمات الآذان حتى يكون النداء للعبادة مخاطبا للقلب مميزا عن غيره من الديانات التي اتخذت وسائل تصدر أصواتا دون معان كالناقوس و الجرس، ثم ينتقل وعي القلب الى عمل الجوارح ليردد اللسان مع المؤذن كما ورد في السنة المطهرة
و جاء الحديث النبوي ليؤكد على أهمية الوقت بعد الآذان فجعل الوقت ما بين الآذان و إقامة الصلاة مستجاب الدعاء، و هو الوقت الذي تتابع فيه بعض التلفزيونات ما تبثه من الغثاء، و بيّن الرسول ما يجب من العمل بعد الآذان فقال " من قال حين يسمع النداء (أي بعده) اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ،وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة"، و عني الاسلام بالأوقات بين الصلوات فجعل من الرباط انتظار الصلاة الى الصلاة، و الانتظار المستحب ليس فراغا لا يجدي أو تضيعا للوقت، و إنما هو انتظار يملؤه الذكر و العلم و عمل الخير
إن حال الآذان في كثير من تلفزيوناتنا هو حال الصلاة في حياتنا، فاصلٌ على عجل و أداء دون إقامة، و تضيع للمعاني و تفريط بالفضائل
فلا غرو إذن و الآذان تتبعه أغنية يتراقص عليها الشباب أنه و الصلاة لا يؤديان دورهما في حياتنا، و أن عموم أحوالنا الى انتكاس و ارتكاس و هزيمة و صدق الشيخ يوسف القرضاوي إذ قال:
لا يصنع الأبطال الا في مساجدنا الفساح
شعب بغير عقيدة ورق تذريه الرياح
من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح
إن الآذان استفتاح للعبادة، و من صلحت بدايته صلحت نهايته، و كانت صلاته منهاج حياة لا عملا وقتيا كصلاة العابد الورع حاتم الأصم الذي أجاب عندما سئل يا إمام كيف تصلي فقال " أقوم بالأمر، وأمشي بالسكينة، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالترتيل والتفكر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأسلم بالسنة وأسلمها بالإخلاص إلى الله عز وجل، وأخاف أن لا تقبل مني."