غطاء للإفلاس!
طباعة إرسال لصديق
غطاء للإفلاس!
تاريخ النشر : 10/03/2010 - 03:04 ص
لمى خاطر

هل كان ضرورياً أن تهتدي قيادة فتح إلى (حل سحري) تظنه سيجنبها إراقة ماء وجهها أمام شعبها حين تحنث بيمينها السياسي حول ربط العودة للمفاوضات بتجميد الاستيطان؟ وهل تظن هذه القيادة أن رمي كرة التنازل في حجر الانظمة العربية سيعفيها من مسؤولية الفشل الجديد الذي ستمنى به أمام حكومة نتنياهو؟ ولماذا علينا أن نتابع رغماً عنا تفاصيل تلك الملهاة المتمثلة بمنح لجنة متابعة المبادرة العربية للسلام سلطة رام الله الغطاء لاستئناف المفاوضات غير المباشرة مع الاحتلال الصهيوني مدةَ أربعة أشهر ؟

إن هذه الازدواجية في التعامل مع البعد العربي واستدعائه لتبرير الرضوخ وتسويغ الاستسلام وحسب تدلل أولاً على حجم المأزق السياسي الذي تعيشه سلطة فتح في الضفة، وثانياً على أنها ما كانت لتلجأ لمثل ذلك الأسلوب البائس من الالتفاف على موقفها الشكلي السابق لولا أنها بلغت نهاية الأرب في فنون الاحتيال على شعبها والتدليس عليه والمساومة على حقوقه، وثالثاً على أن أكذوبة (القرار الفلسطيني المستقل) لا علاقة لها إلا بالاستقلال عن كل ما هو وطني وما يصب في خدمة الحقوق وحماية الثوابت الفلسطينية، وأن رهن هذا القرار أو تأجيره أو حتى بيعه لغير الفلسطينيين عرباً كانوا أم عجماً مستوعب إن كان سيقرب هذه القيادة زلفى إلى (شريكها) الإسرائيلي، وبما يضمن لها الإبقاء على شريان المفاوضات جارياً إلى قيام الساعة وحتى لو كان التقدم فيها زمنياً ينعكس وبالاً على الأرض ويسجل مزيداً من الانتكاسات السياسية!

الغريب في الأمر (أو لعله لم يعد غريباً) هو سر ذلك الوله الفتحاوي بعملية فاشلة اسمها المفاوضات، وهي عملية لم تثمر في عز أيامها وحين كانت مواقف الحكومتين الإسرائيلية والامريكية ألين مما هي عليه الآن، وحين كانت عملية الخداع والمماطلة غير مكشوفة بالكامل كما هي الآن، وحين كانت كذلك الحقائق الاستيطانية والتهويدية على الأرض أقل بكثير من حالها اليوم..!

استفسارات لن نجد جوابا لها سوى عند قادة فتح الذين أفنوا حياتهم السياسية منذ أوسلو في التزيين لخيار التفاوض دون بدائل، وحيدوا لأجله كل أشكل العمل الوطني المثمر على صعيدي السياسة والمقاومة، بل وقمعوا في سبيله كل إمكانية لقلب الطاولة وتغيير مفردات الواقع تغييراً شاملا..

يدرك قادة فتح قبل سواهم أن إطالة عمر عملية التفاوض البائسة وعدم حسم موقف شجاع منها ما هو إلا عملية إلهاء طويلة الأمد وتسكين لمشاعر الغضب الفلسطيني لتجنب تعبيرها عن نفسها كما يجب، ولذلك لا غرو أن يتصاعد الحراك التفاوضي والترويج له وخداع الذات الفلسطينية بأماني السلام وترغيبها بالوعود الأمريكية وادعاء جديتها وعزمها الدفع باتجاه الحل.. لا غرو أن يتصاعد كل هذا حين تكون المعطيات في الميدان تنذر باقتراب الانفجار كما هو حاصل الآن في ظل تلك الهجمة المعلنة على المقدسات وتزايد وتيرة الاستيطان وما سيجلبه كل هذا من ردود أفعال جماهيرية كانت متوقعة على الدوام..

لكنها اليوم تجهض بيد البطش لأجهزة أمن فتح من جهة، وبالمواقف السياسية المتمادية في انبطاحها من جهة أخرى، فاليوم نجد من يتحدث عن ضرورة عدم الانجرار إلى ردود فعل عملية على ممارسات الاحتلال في الضفة ولا حتى بمستوى رشق الحجارة (ولاحظوا كيف تحولت المقاومة بالحجارة إلى شكل من أشكال المقاومة العنيفة في عرف سلطة عباس)، كما نجد من يصنع هالة مفتعلة لخيار المفاوضات ويعيد تصنيع الموقف الفلسطيني بإخراج رسمي عربي مع كل ما سيعنيه ذلك من إقرار بعبثية الفكاك من هذا الخيار وتصعيب للرجوع عنه ما دام قد حصل على غطاء عربي!

كل هذا يجري وحكومة نتنياهو في حل من أي التزامات، ولا تجد ضيراً في أن تفاوض للأبد ودون أن تخسر شيئاً أو تتنازل عن أي من (ثوابتها).. فشريكها المغرم بمفاوضتها حتى الثمالة معني فقط بأن يثبت للفلسطينيين أنه لا يعاني فراغاً سياسياً ولا يقدم الخدمات الأمنية للاحتلال مجانا! وأنه يبذل كل ما بوسعه لتجنيب الفلسطينيين حالة اللاحرب واللاسلم، وطالما أن الحرب خيار محرم في عرف هذه القيادة وغير مطروح أبداً فلا بديل سوى الولوغ في تمثيلية التفاوض طويلة الأمد ومهما كان الثمن، والادعاء بأنه إنما يقاتل على طريقته لانتزاع الحقوق الفلسطينية، فيما هو فعلياً يدرك أنه يمارس عملية إماتة وتضييع لها وإطالة لعمر الاحتلال وإنعاش لمشاريعه وخططه الآنية والمستقبلية، ليجني الطرف الفلسطيني من كل ذلك مباركة إسرائيلية لوجوده واقتناعاً بأحقيته بزعامة سلطة أوسلو ونفوذه على صعيدي الهيمنة السياسية على القرار الفلسطيني والتفرد بالمصالح والاستثمارات الخاصة التي خلصت له لقاء إخلاصه لمسار (الحياة مفاوضات)!

أعلى الصفحة