بيان المسيحيين الفلسطينيين ونزع الشرعية عن الاحتلال
طباعة إرسال لصديق
بيان المسيحيين الفلسطينيين ونزع الشرعية عن الاحتلال
تاريخ النشر : 10/03/2010 - 03:05 ص
د. منار الشوربجي

احتفل الكثيرون الأسبوع الماضي بما صار يعرف عالمياً ب«أسبوع الأبارتيد الإسرائيلي». فمنذ عام 2005، ينظم أصحاب الضمائر الحية في الأسبوع الأول من شهر مارس.

مجموعة من الفعاليات التي تهدف إلى كسر جدار الصمت المفروض على ما يحدث في الأرض المحتلة، ونزع الشرعية عن الاحتلال ومواجهة زيف الدعاية الإسرائيلية التي تسوغ جرائم الاحتلال باسم الدفاع عن النفس.

وأسبوع الأبارتيد هو أحد أنشطة الحركة الدولية من أجل مقاطعة "إسرائيل"، وهي الحركة التي كانت قد اكتسبت بعض القوة، منذ صدور قرار محكمة العدل الدولية في 2004 بعدم شرعية جدار الفصل العنصري، ووجدت المزيد من الزخم حين دشن الناشطون الفلسطينيون في يوليو 2005 «الحملة الدولية لمقاطعة إسرائيل والمتعاونين معها وفرض العقوبات عليها».

وقد لاقت تلك الحملة دعماً دولياً مع غزو لبنان في 2006، ثم صارت أقوى بكثير بعد حصار غزة ثم الغزو الإسرائيلي الوحشي لها. وقد انضم للحملة فعلاً عشرات من التنظيمات والمؤسسات حول العالم، منها مثلاً؛ الاتحاد العام لمعلمي التعليم العالي في بريطانيا، والاتحاد الكندي للموظفين العموميين، والاتحادات التجارية في جنوب إفريقيا.

وانطلقت حملة ضخمة في أوساط الأكاديميين لمقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية. وامتدت الحملة لتشمل فعاليات ثقافية مختلفة، فواجهت المهرجانات الفنية الإسرائيلية مشكلات مستمرة، بل واضطر مهرجان أدنبرغ السينمائي لإعادة تبرع كانت قد قدمته سفارة "إسرائيل".

بينما عمت الاحتجاجات السويد والبرتغال، رفضاً لمشاركة الفرق الرياضية الإسرائيلية. وما لا يقل أهمية عن ذلك كله، هو أن المقاطعة امتدت لتشمل الشركات الدولية العملاقة التي تتعاون مع الحكومة الإسرائيلية.

ولعل أهمية تلك الحركة، هي أنها تسعى لوضع الكفاح الفلسطيني في سياق الكفاحات العالمية المناهضة للعنصرية والاستعمار. ومن هنا سعت الحركة طوال الوقت إلى التواصل مع القوى المناهضة لكل أشكال الظلم والقهر حول العالم. ورغم أن ذلك الهدف له على المستوى الفلسفي وجاهته.

إلا أنه بالغ الأهمية أيضاً في قدرة الحركة على الوقوف في وجه محاولات القضاء عليها وإسكات صوتها أو التعتيم عليها. فهي لا يمكنها مواجهة الحملات الشرسة التي يشنها أنصار "إسرائيل"، دون تضامن القوى الحية في كل مجتمع من المجتمعات.

غير أن أسبوع الأبارتيد الإسرائيلي، الذي جرت فعالياته هذا العام في أربعين مدينة حول العالم، من استراليا للبنان ومن جنوب إفريقيا لكندا، قد شهد هذه المرة حدثاً على جانب كبير من الأهمية.

إذ تم خلاله تسليط الضوء على بيان كان قد أصدره المسيحيون الفلسطينيون ووجهوه للمجتمع الدولي كله، ويدعو في الواقع إلى ما هو أبعد بكثير مما دعا له عادة أسبوع الأبارتيد الإسرائيلي منذ 2005.

فطوال السنوات الماضية، كان أسبوع الأبارتيد يؤكد على مسألة المقاطعة كوسيلة دولية للضغط من أجل إنهاء المعاناة الفلسطينية، تماماً كما كان الحال مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. إلا أن بيان المسيحيين الفلسطينيين يطالب بما هو أبعد من ذلك، حيث يدعو إلى فرض «عقوبات اقتصادية ومقاطعة شاملة لإسرائيل».

وأهمية البيان الذي صدر بعنوان «وقفة حق»، لا تتوقف على أنه يشرح بالتفصيل للعالم الغربي حجم المأساة الفلسطينية، التي وصفها في أكثر من موضع بأنها وصلت «لطريق مسدود».

وإنما ترجع أيضاً إلى اللغة القوية التي كتب بها. فهي بالغة الوضوح والرصانة، في تحميل الأطراف المختلفة المسؤولية عما يجري على أرض فلسطين، وفي ما تطالب به من أجل وضع نهاية للوضع الحالي.

فالبيان يشرح بالتفصيل ما يتعرض له الفلسطينيون من تدمير لأرضهم وحرمان من مواردهم، فضلاً عن الإذلال اليومي وتقويض النسيج الاجتماعي الفلسطيني نفسه، عبر الفصل الذي تتعرض له الأسرة الواحدة، ليس فقط من خلال جدار الفصل العنصري.

وإنما أيضاً من خلال الحواجز والمعابر وسحب بطاقات الهوية. ويشرح البيان لمسيحيي العالم، حرمان المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين من الحرية الدينية، بل والوضع الخطير الذي صارت فيه القدس.

وما لا يقل أهمية عن الوصف التفصيلي للمأساة الفلسطينية، هو رصانة البيان وقوة موقفه بشأن مسؤولية الأطراف المختلفة عن تلك المأساة. ففي الوقت الذي لم ينكر فيه البيان مسؤولية الفلسطينيين عن الانقسام الكارثي بينهم.

فإنه ذكر بوضوح أن «المجتمع الدولي يقع عليه جزء مهم من المسؤولية، حين رفض الاعتراف بإرادة الشعب الفلسطيني التي عبر عنها في انتخابات ديمقراطية وقانونية في 2006».

وبينما رفض البيان بلغة قوية وصف المقاومة بالإرهاب، فإنه رفض السعي لإقامة دولة دينية يهودية أو إسلامية على أرض فلسطين. وبينما أكد البيان على اعتبار الاحتلال خطيئة، ودعا كل مسيحيي العالم لمواجهته، فإنه رفض بمنتهى الوضوح، التفسيرات الدينية التي يتبناها بعض مسيحيي الولايات المتحدة ويسوغون من خلالها القهر والظلم على أرض فلسطين.

وبناء على كل ذلك، لم يدع البيان فقط «الأفراد والشركات والدول لأن تنخرط في مقاطعة اقتصادية وتجارية شاملة لكل ما ينتجه الاحتلال»، وإنما دعا أيضاً إلى «بدء نظام عقوبات اقتصادية ومقاطعة شاملة يطبق على إسرائيل».

ورغم أن بيان الفلسطينيين المسيحيين لم يلق في إعلامنا العربي ما يستحقه من اهتمام، إلا أن الإسرائيليين يعرفون جيداً مغزاه ويدركون خطورته. فهو ينقل الحركة الدولية لنزع الشرعية عن الاحتلال، نقلة نوعية كبرى للأمام.

وهي الحركة التي وصفها أحد مراكز الفكر الإسرائيلية في مؤتمر هرتزيليا الذي عقد الشهر الماضي، بأنها صارت «فعالة» وتنطوي على «مغزى استراتيجي مهم، ومن شأنها أن تتحول في غضون سنوات قليلة إلى تهديد وجودي شامل» ل"إسرائيل".

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com

صحيفة البيان الإماراتية

أعلى الصفحة