د. منار الشوربجي
لم تكن مفاجأة، ذلك التجاهل الكامل للصراع العربي الإسرائيلي في خطاب الاتحاد الذي ألقاه الرئيس الأمريكي يوم الأربعاء الماضي. صحيح أن ذلك الخطاب هو المناسبة السنوية التي يطل فيها الرئيس على الأمريكيين، ليعلن لهم عن حالة الاتحاد الأمريكي ويشرح لهم خططه الداخلية والخارجية، إلا أن المؤشرات كلها كانت تنذر بتراجع قضية الشرق الأوسط على سلم الأولويات، على الأقل حتى يعيد الرئيس الأميركي حساباته بشأنها.
والمؤشرات المقصودة هنا لا تتعلق فقط بالوضع السياسي الداخلي في أمريكا، والذي فرض نفسه على أوباما وجعله يخصص أكثر من ثلثي الخطاب لقضايا الداخل فقط، ولقضايا الاقتصاد على وجه الخصوص، وإنما تنصرف أيضاً لمؤشرات أخرى ظهرت في الآونة الأخيرة، وارتبطت بقضية الشرق الأوسط ذاتها.
فلا شك أن تأثير خسارة الحزب الديمقراطي لمقعد تيد كيندي في مجلس الشيوخ، وانحسار شعبية أوباما، فرض نفسه على خطاب الرئيس، الذي قيل إنه ظل يخضع للتعديل حتى الدقائق الأخيرة قبل إلقائه.
ولا توجد مفاجأة في ذلك على الإطلاق، فحين تسوء الأحوال الاقتصادية في أمريكا تتراجع كافة القضايا الأخرى على سلم الأولويات. ومن هنا كان طبيعياً للغاية أن يخصص الرئيس أوباما أغلب خطابه لشرح السياسات التي اتبعها ويدافع عنها، ويقترح سياسات وخطط بديلة، خصوصاً من أجل مواجهة ارتفاع نسبة البطالة التي ازدادت بشكل ملحوظ خلال العام الأخير.
لكن الحقيقة أن الرئيس الأميركي، رغم هيمنة قضايا الداخل، تطرق لقضايا خارجية عدة. وكان اللافت للانتباه أن أوباما تعمد، رغم المحاولة الإرهابية التي وقعت يوم عيد الميلاد على متن طائرة نورث ويست، ألا يتحدث بالمطلق عن «حرب أمريكية على الإرهاب»، وإنما تحدث عن مزيد من التدابير الأمنية، وعن ضرورة مواجهة خطر وصول السلاح النووي لأيدي الإرهابيين.
وبعد أن تحدث عن أفغانستان والعراق، تطرق لقضايا دولية مهمة لم تكن من بينها قضية التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي، ويبدو من الواضح أنها غابت عمداً عن ذلك الخطاب.
والمؤشرات قبل الخطاب كانت ترجح أن هناك تحولاً لا يزال في طور التبلور. ففي حوار لأوباما مع مجلة التايم الأمريكية قبل الخطاب بأيام، قال إن إدارته بالغت في قدرتها على إحداث تحول. لكن الأهم في ذلك الحوار، هو ما بدا موحياً وكأن الرئيس الأميركي يلتمس العذر لكل من نتنياهو ومحمود عباس، بشأن موقفيهما من استئناف المفاوضات.
وقد كرر أوباما المعنى نفسه بعد خطاب الاتحاد بيوم واحد، في مدينة تامبا في ولاية فلوريدا، حين سئل عن الموضوع. فهو ذكر أن كلا من نتنياهو وعباس يواجهان تشدداً من أطراف داخلية، تجعل من الصعب على كل منهما اتخاذ مواقف جريئة.
والحقيقة أن خطورة ما قاله أوباما في هذا الصدد، هي أنه يتعامل مع الطرفين وكأنهما مسؤولان مسؤولية متساوية عن الوضع الراهن، وهو أمر لا علاقة له بالواقع! صحيح أن الانقسام الفلسطيني له تأثيره، إلا أن جوهر المشكلة كان منذ البداية، أن حكومة نتنياهو ترفض قيام الدولة الفلسطينية أصلاً، وتسعى للتوسع الاستيطاني على وجه السرعة لابتلاع ما تبقى من الأرض، لقطع الطريق أمام إنشاء تلك الدولة الفلسطينية من أساسه.
لكن هناك حملة تجري في واشنطن منذ شهور، تقودها "إسرائيل" وأنصارها، كان هدفها منذ البداية إقناع أوباما بأن إصراره حين وصل للحكم على التجميد الشامل للاستيطان، هو المسؤول عن وصول المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين لطريق مسدود.
والمنطق الذي تتبناه هذه الحملة، هو أن ذلك الإصرار الأميركي كان من المستحيل أن تقبله حكومة بتركيبة حكومة نتنياهو، لأنه كان معناه انهيارها، ومن ثم اضطر نتنياهو للرفض. لكن الموقف الأميركي بشأن وقف الاستيطان بشكل كامل، جعل من الصعب على السلطة الفلسطينية قبول العودة للمفاوضات في ضوء الرفض الإسرائيلي.
وهو منطق مغلوط كما هو واضح، لأنه يفترض أن المفاوضات لا يمكن استئنافها إلا بالشروط الإسرائيلية، وبالرغم من كل ما ترتكبه "إسرائيل" من جرائم وانتهاكات للقانون الدولي.
ويستخدم هؤلاء لإقناع أوباما بذلك المنطق، تصريحات صدرت عن أبو مازن في حوار له مع صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية في ديسمبر الماضي، حيث أوحى بأن اشتراط أوباما للوقف الكامل للاستيطان سبب له إحراجاً. فهو قال «أوباما وضع شرط وقف الاستيطان الكامل. ماذا كان بإمكاني أن أقول.. أقول له هاي تخينة؟».
لكن اقتناع إدارة أوباما بذلك المنطق، من شأنه أن يطرح بتداعياته السلبية على مجمل التطورات في المرحلة القادمة، فهو يعني العودة بكل قوة للنمط الأمريكي التقليدي الذي لا يتجنب فقط الضغط على "إسرائيل"، وأن يترك لها وحدها اختيار كيفية إدارة علاقتها بالفلسطينيين، دون أي دور أمريكي سوى الدعم الكامل للاختيارات الإسرائيلية.
ورغم أن تجاهل أوباما للصراع العربي الإسرائيلي في خطاب الاتحاد، يعبر بلا شك عن تراجع القضية على سلم الأولويات، إلا أنه لم يتضح بعد ما إذا كان معناه أن الرجل قد اقتنع تماماً بمنطق أنصار "إسرائيل"، أم معناه أنه لا يزال بصدد مراجعة شاملة للملف! وقد تحمل لنا الأيام القادمة ما يحسم ذلك الأمر.
فالإسرائيليون يضغطون من أجل الإطاحة بجورج ميتشل واستبداله بمن هو أكثر ميلاً للموقف الإسرائيلي. فهل يستجيب أوباما فيكون ذلك مؤشراً على اقتناعه بمنطق "إسرائيل"؟ أم يصر على بقاء الرجل ويسعى لإعادة النظر في مجمل القضية؟
كاتبة مصرية
manarmes@yahoo.com
صحيفة البيان الإماراتية