يتشدَّق العالم الغربي كثيرًا بحقوق الإنسان،وبالذات حقوق الطفل؛ وينادي بحقه في التعليم والمسكن والملبس، وغيرها من الحقوقالتي تؤهِّله ليكون مواطنًا صالحًا يفيد مجتمعه، ولذا يحرص المجتمع الدولي علىتوفير المناخ المناسب ليخرج الأطفال إلى الحياة وقد اكتسبوا خبراتٍ ومقدراتٍ فاعلةًتهيئهم لقيادة مجتمعاتهم حينما يصبحون كبارًا.
هذه الحقوق كفلها المجتمع الدولي عبر قراراتصدرت من قبل منظمات دولية كـ"اليونيسيف" وغيرها، والتي أخذت على عاتقها تبنِّيمشاريع تخدم الطفولة في جميع أرجاء العالم.
هذه المشاريع تجد فرصتها للوجود في العالم الذييدَّعي تحضُّره فقط، ولكن حين يكون الحديث عن أطفال فلسطين تقف كل الشعارات عاجزةًعن التحوُّل إلى مشروع صغير يقضي بعض حاجات هؤلاء الأطفال الذين أسهم المجتمعالدولي كثيرًا في سلبهم حقوقهم، بل وتواطئه بصمته على معاناتهم التي شهدتها حرب غزةقبل عام تقريبًا!.
لم يكفِ الاحتلال سلب هؤلاء الأطفال الأمن منعيونهم وزرع الخوف في قلوبهم، بل عمل جاهدًا على تحطيم كل ما يملكون حتى قدراتهمالشخصية واستيعابهم الدراسي.
الدراسة علىضوء الشموع
أحمد (17 عامًا- طالب في الصف الحادي عشر، تخصصعلمي) يتحدث عن معاناته في تحضير واجباته ودروسه، فيقول: "رغم حرصي على أن أحضرواجباتي مبكرًا قبل حلول الغروب، إلا أنني أضطر يوميًّا للمذاكرة على ضوء الشموع؛بسبب كبر المنهج ودخولنا في الفصل الثاني الذي ينتهي بامتحانات بعد شهرين، ويجبعلينا الاستعداد من الآن"، ويضيف: "ضوء الشموع منخفض جدًَّا، وفي الفترة الأخيرةأحسست بتعب في عيوني لتكرار المذاكرة على هذه الطريقة يوميًّا".
وتعلِّق أم أحمد على ذكر ابنها أحمد مخاوفتتعلق بتعب عينيه بأنه ليس وحده من يعاني، "فأخته الأكبر منه تعاني كثيرًا من ضعففي عينيها؛ بسبب تكرار انقطاع التيار الكهربي عن منطقتهم في شارع اليرموك بمدينةغزة، وخاصةً في فترة المساء؛ حيث لا يوجد مولد لديهم مثل بقية الجيران".
وتبيِّن أم أحمد أن خوفها من انفجار المولدالكهربي كما حصل مع بيوت كثيرة هو السبب في عدم تفكيرها بشراء مولد، ولكنَّ خطورةالإضاءة بالشمع لا تقلُّ عنها فهي لا ترتاح إلا حين يأتي موعد النوم ويطفئون الشمعوينامون، وتضيف: "أطفالي صغار ولا آمَن عليهم تركهم مع الشمع لوحدهم، أخاف أن يحترقالبيت.. حياتنا أصبحت صعبة وأصبحت مرهونة بالتيار الكهربي"!.
تأخر دراسيلدى الطلاب
خولة عبد الغني (مدرسة رياضيات في مدرسةالدرج الابتدائية بمدينة غزة) تخبرنا عن ملاحظاتها بتأخر المستوى الدراسي للطلابهذا الفصل؛ حيث تلاحظ أن كثيرًا منهم لم يعمل واجبه المدرسي بسبب أنه سئم الدراسةعلى ضوء الشموع، وتسمع كلمات غريبة من الطلاب، مثل: "زهقنا، ما بدنا واجب، عيوننابتوجعنا، ما في كهربا"، أعذار كثيرة يسوقها الطلاب ليبدو سأمهم من الظروفالمحيطة.
الطفلة حنان المغربي سئمت كتابة واجباتها المدرسية على ضوء الشموعالخافت، ومصابيح الكيروسين، مشيرةً إلى أن تلك البدائل أضرَّت بصحتها ونفسيتها؛نتيجة أجواء التوتر المشحونة في الظلام الدامس، مطالبةً العالم بأن يهبَّ لينجدأطفال غزة، ويفتح المعابر المقفلة، لإدخال غاز الطهي.
أما الطفل محمدالكحلوت (13 عامًا) من مدرسة الأرقم الإعدادية فأبدى انزعاجه الشديد من أصواتالمولدات الكهربائية وما تحدثه من ضجَّة تقلق منامه، مشيرًا إلى أن رأسه يصاب بصداعمستمر عند تشغيلها في الحي، يقول: "مللنا العتمة.. نريد أن نقرأ بدون شموع، وأن نرىالنور بدون مولِّدات تزعجنا، حتى حينما ننهي دراستنا علينا أن ننام فورًا، فلا يوجدتلفزيون ولا كمبيوتر ولا أي وسيلة ترفيه".
أم محمد تنوِّه بأنها تجبرأطفالها على النوم؛ لأنهم لا يجدون تفريغًا لنفسياتهم سوى ضرب بعضهم والتشاجر علىأتفه الأمور؛ حيث تلاحظ ازدياد العنف بين أبنائها بسبب الملل الذي يعانون منه فيحياتهم العامة.
رندة السويركي نظَّمت اعتصامًا لأطفال الرياض في قطاع غزة؛احتجاجًا على استمرار انقطاع التيار الكهربي، وتوضِّح سبب تنظيمها هذا الاعتصام،فتقول: "يطالب أطفال غزة اليوم بحقهم في العيش بكرامة وحريتهم في التعبير والتنقلوالترفيه كبقية الأطفال في العالم"، مشيرةً إلى الضغط النفسي الذي يتعرَّض لهالأطفال في غزة من جرَّاء الحصار الصهيوني.
وأوضحت السويركي أن انطلاق اعتصامالأطفال جاء لبلوغ أزمة الكهرباء والغاز ذروتها في الفترة الأخيرة، لافتةً إلى أنالأزمة تنعكس على التحصيل الدراسي والأوضاع الأسرية للأطفال.
وتسألالسويركي: "لماذا أطفال العالم لديهم أماكن للترفيه ونحن لا يوجد لدينا مثلهم؟ إنالأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا من انقطاع التيار الكهربائي والغاز وإغلاقالمعابر"، مضيفةً أن لهذه الأوضاع تأثيرًا كبيرًا في نفسية هؤلاءالأطفال.
بينما تضيف مدرسة الحاسوب في مدرسة الأرقم النموذجية للبنات بغزةأن "مدرستها تعطَّلت عن تقديم حصص الحاسوب للأطفال بسبب قطع التيار الكهربائيالمتكرر؛ ما حرم الأطفال من التعليم والتطبيق العملي"، منوهةًبأن الطفل يأتي إلىالروضة دون أن يؤدي واجباته المنزلية بسبب قطع التيار الكهربائي.